أصدر مركز الحوار السوري للدراسات تقريراً بحثياً تطرَّق إلى مستقبل الاتفاق بين الحكومة السورية الجديدة و”قسد” في ظل تعنت الأخيرة وفشل الجولة الأخيرة من المفاوضات بينها وبين الحكومة السورية في دمشق قبل أيام.
وأشار التقرير الذي أعده الباحث في المركز عامر المثقال إلى أنه رغم حالة الهدوء العسكري المستمر في شمال شرقي سوريا، إلا أن التعثّر المتواصل في تنفيذ اتفاق آذار يفتح المجال أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة، تختلف في درجة واقعيتها بناءً على تطورات الميدان ومواقف الأطراف المحلية والدولية، وهي:
1- الاستمرار في تنفيذ الاتفاق عبر مسار تفاوضي تدريجي:
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، نظراً للرغبة المتبادلة بين الطرفين في تفادي المواجهة العسكرية، واستمرار الخطوات المحدودة لبناء الثقة مثل فتح المراكز الامتحانية في مناطق “قسد”، والتعاون الجزئي في ملف مخيم الهول، وإطلاق سراح بعض الموقوفين، ومؤخراً وصول فرق إطفاء من شمال شرقي سوريا للمشاركة بإخماد حرائق الساحل.
ويعزّز هذا السيناريو استمرار الإدارة الأمريكية في لعب دور الضغط على “قسد” لتشجيعها على الاندماج دون فرض مسار دمج سريع، ولعل هذا ما يظهر في تصريحات جديدة أدلى بها المبعوث الأمريكي توماس باراك وأشار فيها إلى أن واشنطن “تريد التأكد من حصول قوات سوريا الديمقراطية على فرصة محترمة للاندماج بالحكومة”، لكن بالمقابل قال إن “قسد تشعر أن على واشنطن التزاماً تجاهها لكننا لسنا ملزمين إذا لم يكونوا منطقيين“.
2- الانزلاق نحو تصعيد عسكري محدود أو شامل:
يبقى هذا السيناريو قائماً في حال وصلت التفاهمات إلى طريق مسدود، خصوصاً فيما يتعلق بالملفات السيادية كالنفط والمعابر والفيدرالية، أو إذا أقدمت “قسد” على خطوات أحادية من شأنها استفزاز دمشق، وهنا ستكون تركيا في الواجهة أيضاً نظراً لكونها تراقب عملية تفكيك “قسد”.
لكن تتوقف واقعية هذا السيناريو على حجم الوجود الأمريكي؛ إذ إن أي تقليص كبير في الدعم أو انسحاب جزئي للقوات الأميركية قد يشجّع دمشق وحلفاءها على اعتماد خيار الحسم الجزئي، بينما تبقى احتمالاته محدودة في ظل ثبات خطوط الانتشار الأميركية شرق الفرات حتى الآن.
3- تسوية جزئية قائمة على إعادة الانتشار:
يفترض هذا السيناريو حلولاً وسطاً تقضي بانسحاب “قسد” من محافظتي دير الزور والرقة، مع إعادة تموضعها في محافظة الحسكة، على أن يُرحّل ملف الحسكة لمرحلة لاحقة.
يستند هذا السيناريو إلى إمكانية لجوء واشنطن إلى استخدام أدوات ضغط مركّبة على “قسد”، تتيح الحفاظ على الحد الأدنى من الشراكة معها، وتُخفّف استياء الحكومة السورية من استمرار تعنّت “قسد”، ويستحضر هذا السيناريو نموذجاً مشابهاً تم تطبيقه بعد سقوط النظام البائد حين انسحبت “قسد” من مدينة دير الزور تحت ضغط شعبي، بعد أن كانت قد دخلت المدينة في ظل فراغ أمني وعسكري أعقب فرار جنود النظام البائد، وقد جرت تلك الانسحابات بتنسيق غير مباشر مع التحالف الدولي الذي حرص حينها على منع وقوع أي مواجهة مباشرة بين “قسد” وقوات “ردع العدوان” داخل المدينة.
ويختم التقرير بالإشارة إلى أنه بالرغم من أن فترة أربعة أشهر قد لا تكون كافية للحكم على نجاح أو فشل اتفاق دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية- بحسب البعض-، إلا أن إصرار “قسد” على ربط اندماجها السياسي والعسكري بشروط تتعلق بالفيدرالية واللامركزية الموسعة يزيد من احتمالات فشل هذه العملية أو استمرار التفاوض لفترة مطولة، علماً أن التفاوض على أشكال من اللامركزية الإدارية قد يكون ممكناً في مرحلة لاحقة خاصة مع الإمكانيات المحدودة للحكومة الجديدة بالمرحلة الحالية، إلا أن طرحه كشرط أساسي منذ البداية قد يُفقد العملية السياسية جوهرها ويشجع مناطق أخرى على صيغ مشابهة.
من جانب آخر، يُمثّل هذا المسار فرصة لـ”قسد” لإعادة تعريف موقعها ضمن العقد الوطني السوري خاصة بعد إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه، ما يتيح لها الانفصال عن الإرث العقائدي والتنظيمي القادم من قنديل، لكن هذا التحول يتطلب أولاً معالجة جدية لإرث الانتهاكات التي راكمتها “قسد” طوال السنوات الماضية والتوقف عن تكرارها، إذ لا معنى لأي عملية اندماج طالما بقيت الاعتقالات التعسفية، وتجنيد القُصّر، والقتل خارج القانون، واقعاً متكرراً في مناطق سيطرتها.
ومع الهامش المتاح لـ”قسد” في المناورة، إلا أنه لا يمكن إغفال التأثير الأميركي في تحديد مسار تفكيكها أو إعادة تشكيلها، إذ لا تزال تحظى بدعم يرتبط بذرائع تتعلق بمحاربة تنظيم داعش، غير أن التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي توماس باراك ورفضه للفيدرالية وتأكيده لـ”قسد” أن طريقها هو إلى دمشق فقط تشكل ضغطاً حقيقياً في الدفع باتجاه الاندماج فيما لو تعزز بخطوات إضافية من الإدارة الأمريكية والتحالف الدولي،
وبالتالي فإن الخيارات المطروحة أمام “قسد” بين البقاء كقوة أمر واقع أو التخلي عن أحلام الفيدرالية ونموذج كردستان العراق، تبقى رهناً ليس فقط بمدى استعدادها للمراجعة، بل أيضاً بجدية الأطراف الداعمة لها –وعلى رأسها واشنطن– في دعم مشروع التحول الوطني في سوريا، لا سيما في ظل ضعف الإمكانيات لدى الحكومة الحالية وسعيها إلى تجنّب الحلول العسكرية في التوصل إلى التفاهمات مع الأطراف المحلية المدعومة خارجياً كقوى أمر واقع.