أصدر مركز الحوار السوري للدراسات تقريراً بحثياً تطرق إلى سيناريوهات وتداعيات المشهد في السويداء في ظل التطورات الأخيرة التي جرت بالمحافظة، والتصعيد الإسرائيلي، ثم خروج القوات الحكومية وبعدها قوات العشائر بموجب الاتفاق الأخير.
ويشير التقرير إلى أنه في ضوء انسحاب القوات الحكومية من السويداء، وما تبعه من تصعيد “إسرائيلي” يدخل الجنوب السوري مرحلة جديدة من التعقيد ومشهد متعدد التداعيات؛ لعلّ من أبرزها:
1- السيطرة الأحادية لحكمت الهجري على السويداء:
اختطاف القرار بعد التطورات الأخيرة بات موقف شيخي العقل حمود الحنادي ويوسف جربوع اللذين طالما فتحا قنوات تواصل مع الحكومة ضعيفاً، وأصبح حكمت الهجري طرفاً محورياً يتحكم فعلياً في الأرض، بعد أن فرض منطق المليشيا والاحتكام للسلاح والاستقواء بالخارج، ما عزز نزعة الزعامة المنفصلة عن الدولة، وفتح الباب واسعاً أمام طرح مشاريع انفصالية بغطاء “اللامركزية”،
وهنا يبرز السيناريو الأخطر وهو محاولة الهجري فتح خطوط تواصل مع مناطق “قسد” ومطالبه بإيجاد معبر مع الأردن، حيث شجعته التطورات الأخيرة على إثارة تلك المطالب، ما يعيد للأذهان مشروع “ممر داوود” الذي طالما كثر الحديث عنه والذي يُتيح لـ “إسرائيل” الوصول البري إلى شمال شرقي سوريا.
2- توسُّع انتهاكات الميليشيات الخارجة عن القانون:
الانفلات الأمني الذي رافق انسحاب قوات وزارة الدفاع، أدى لزيادة أنشطة المليشيات الخارجة عن القانون، ولعل هذا ما ظهر سريعاً بالمشاهد القادمة من ريف المحافظة والتي توثّق عمليات إجرامية من قتل وتهجير طالت سكاناً محليين أغلبهم من البدو.
3- تهجير طائفي بغطاء “إنساني”:
تُعتبر التطورات الأخيرة في السويداء وما تم التوصل له من اتفاق على توفير “الممر الآمن” لمن يرغب بالخروج من المدنيين والبدو من السويداء صيغة غير معلنة لعملية تهجير طائفية، ومما يعزز من ذلك عدم وجود رادع يمنع المليشيات المنفلتة في السويداء من ممارسة الانتهاكات بحق المدنيين الرافضين لممارساتها أو حتى من الذين وقفوا على الحياد، ما يشير لعملية هندسة ديمغرافية جديدة في المنطقة برعاية “إسرائيلية” غير مباشرة.
4- تعزيز المخاوف من تكرار النموذج بمناطق أخرى:
طالما سعت الحكومة السورية إلى إدارة ملف السويداء والأقليات عموماً بحذر، خشية من الانزلاق للفوضى والوصول إلى مثل ما جرى في السويداء، ولذلك فإن فشل الحسم العسكري السريع بعد التدخل “الإسرائيلي” قد يُنظر إليه من قبل أطراف أخرى كنموذج قابل للتكرار.
وفي هذا السياق، تُبدي “قسد” مواقف متعاطفة مع المليشيات المسلحة في السويداء، بذريعة وقوع انتهاكات بحق المدنيين، ما يفتح الباب أمام احتمالات تصاعد خطاب اللامركزية الموسعة أو الحكم الذاتي، بذات الطريقة التي تم فيها تبرير بقاء السلاح خارج سلطة الدولة،
وخاصة أن الظروف لدى “قسد” مهيأة بشكل أكبر مع وجود موارد النفط والغاز بعكس السويداء التي تفتقر للموارد الاقتصادية.
5- تصاعد الحساسيات الطائفية والمناطقية:
يظهر هذا بشكل واضح من خلال تتبُّع المزاج الشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال حملات تحريض متبادلة وخطابات كراهية غذّتها مشاهد الانتهاكات المتبادلة خلال العمليات العسكرية،
حيث استُثمرت هذه الانتهاكات بشكل مباشر في تأجيج الانقسام، ما يهدد بتفجر الأوضاع في مناطق أخرى لاسيما في صحنايا وجرمانا ذات الغالبية الدرزية.
6- تآكل الثقة الشعبية:
أثّر المشهد الأخير في السويداء بشكل واضح على الرأي العام في سوريا، خاصة بعد تتابع مشاهد مواطنين من البدو يُقتلون أو يُهجّرون دون تدخل أو محاولات إنقاذ رسمية، ما يهدد بخلق انطباع بأن الدولة لم تُناصر مواطنيها بما يكفي في وجه المليشيات المسلحة والعصابات.
وزاد من حجم النقمة الشعبية سقوط عدد كبير من عناصر الجيش وقوات الأمن في معركة اتسمت بـ”الصفرية” بعدما أُعلِن الانسحاب دون تحقيق إنجاز ميداني، ما جعل كثيرين يشعرون بأن التضحيات ذهبت “سدى”،
وزاد من هذه النقمة الشعبية إخراج العشائر من السويداء بعدما حققت مكاسب ميدانية واستطاعت التقدم في مركز مدينة السويداء، خاصة أن إخراج العشائر لم يُستثمر -وفق نظر البعض- سياسياً، بل كان الكاسب الأكبر في هذه العملية هو الهجري الذي تعزز نفوذه من جديد بينما خسرت العشائر كافة التضحيات التي قدمتها لقلب موازين المعركة.
كما يتطرق التقرير إلى السيناريوهات المتوقعة في ضوء الوقائع الميدانية التي شهدتها السويداء خلال الأيام الأخيرة، مشيراً إلى أنه يمكن استشراف عدد من المسارات المحتملة التي قد يتجه إليها المشهد في المحافظة خلال المرحلة المقبلة ومنها:
1- استمرار سيطرة الهجري على السويداء:
تشير المعطيات الحالية إلى أن الفصائل المسلحة المقرّبة من شيخ العقل حكمت الهجري باتت الطرف الأكثر حضوراً وتأثيراً في الشارع، خاصة بعد انسحاب قوات وزارة الدفاع وفشل الاتفاقات المتكررة في إعادة فرض حضور الدولة الفعلي،
وإذا استمر هذا المسار فقد يتكرّس نموذج “الأمر الواقع” في السويداء، ما يعني عملياً بقاء الهجري كمرجعية وحيدة حاكمة، مع تراجع دور الدولة على المستويين الأمني والإداري وفتح المجال لسيناريوهات أكثر خطورة تتعلق بتوسيع شبكة تحالفاته المحلية خارج حدود المحافظة، أو الخارجية مع “إسرائيل” ما يمنحها الفرصة لمواصلة التدخل في سوريا وعلى نطاق أوسع.
2- العودة التدريجية للدولة:
رغم المشهد الذي تطعى عليه السلبية والحالة المليشياوية، إلا أنه لا يزال هناك احتمال لعودة تدريجية للدولة السورية إلى المشهد في السويداء، لكن ذلك مشروط بتوافر ثلاثة عوامل متضافرة:
أولاً: نجاح الوساطات العربية والغربية والتركية في تخفيف التدخلات الإسرائيلية في سوريا ووقف دعمها لفصائل السويداء بما يشكل ضغطا مباشراً على الهجري.
ثانياً: تمكُّن الحكومة من فتح قنوات تواصل مع مشايخ العقل والقوى المجتمعية الرافضة للنهج الانفصالي والاستعانة بـ “إسرائيل”، تثمر نتائج تراكمية ملموسة على الأرض.
ثالثاً: تحسين بيئة الخدمات والبنية التحتية والواقع الاقتصادي وربطها بعودة المؤسسات، ما قد يجعل الهجري في موقف اضطراري للتفاهمات التدريجية مع الحكومة السورية.
3- صراع داخل البيت الدرزي:
لا يُستبعد أن يشهد الداخل الدرزي نفسه صراعاً بين تيارين:
الأول يمثّله الهجري بخطابه الصدامي واستقوائه بالخارج، والثاني تمثله الشخصيات المعتدلة التي ترى مصلحة الطائفة في البقاء ضمن الإطار الوطني السوري، لاسيما أن هذا التيار مدعوم كذلك من قوى درزية وازنة مثل شيخ العقل في لبنان و الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
وقد يتطور هذا الصراع إلى منافسة على الشرعية الدينية والاجتماعية، وربما الأمنية، وهنا من المهم التنويه إلى أن المجتمع الدرزي في السويداء يغلب عليه الطابع المدني والعلماني، وليس مؤدلجاً دينياً، ما قد يقلّص فرص استمرار التفاف الأهالي حول خطاب الهجري المتصلب.
ويتعزز هذا السيناريو في حال فشل الأطراف المسلحة والدينية في تقديم نموذج حكم محلي مستقر، إذ قد تتجه بعض الفعاليات المدنية والشبابية إلى تفعيل أدوارها كقوة ضغط مجتمعي، تطالب بعودة القانون والمؤسسات، وتناهض خطاب الاستقواء بالخارج.
لقراءة الورقة كاملة عبر هذا الرابط: https://sydialogue.org/0ibf