تُعدّ التراجي الديرية واحدة من أقدم وأدق المشغولات الذهبية التي اشتهرت بها دير الزور، إذ يُقدَّر عمر بعض القطع الأصلية منها بأكثر من سبعين عاماً. وقد انفرد صاغة دير الزور بصياغتها دون غيرهم، حتى أن محاولات صاغة دمشق وحلب لتقليدها لم تُكلّل بالنجاح، ما جعلها علامة فارقة في تاريخ الصياغة السورية.
دقة متناهية وصياغة لا تُضاهى
وكان وزن القطعة الأصلية يصل إلى نحو ثلاثين غراماً، ما منحها قيمة عملية وجودة عالية، فيما عُرفت بتفاصيلها الدقيقة التي تتطلب مهارة استثنائية. حتى أن بعض الصاغة الأوروبيين، حين عاينوا إحداها، وصفوا صانعها بأنه “ليس إنساناً بل جنّ”، إعجاباً بمدى صعوبة ودقة العمل فيها.
غير أن الظروف الاقتصادية في سوريا مطلع الثمانينيات وارتفاع أسعار الذهب دفعا الحرفيين إلى تخفيف وزنها وتقليل زخرفتها، حتى تراجع وزنها إلى ربع وزنها الأصلي، ففقدت بعضاً من جودتها وعمليتها، ومع ذلك ظلّت التراجي الديرية في نظر أهل الصياغة أيقونة ذهبية لا تضاهيها أي مشغولة أخرى.
انتشار عالمي واهتمام متزايد من السياح والمقتنين
الطريف أن هذه القطعة عندما تصل إلى الأسواق اليوم، غالباً ما يشتريها الغجر (القرباط)، ليبيعوها لاحقاً خارج سوريا باعتبارها قطعاً أثرية نادرة بأسعار خيالية. كما أن الأتراك قلدوا هذا الطراز، لكن بجودة متواضعة، ومع ذلك لقي رواجاً كبيراً في الأسواق التركية، وخصوصاً بين السياح الغربيين الذين استهوتهم هذه المصوغة الشرقية الفريدة.
وهكذا تبقى التراجي الديرية أكثر من مجرد حُليّ ذهبي؛ إنها سجلّ حيّ لتاريخ دير الزور الحرفي، ودليل على براعة صاغة بلغوا القمة في الإبداع والإتقان.
