حذرت دراسات طبية حديثة من أن تشغيل مصابيح الليل أثناء النوم يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض قاتلة، مشيرة إلى أن حتى الضوء المتسرب من مصباح الشارع أو انعكاس ضوء القمر يمكن أن يسبب الأذى. وكشف الباحثون أن ترك ضوء في الغرفة أثناء النوم يرفع احتمالات الوفاة الناتجة عن أمراض القلب والسكتة الدماغية، كما أظهرت التحليلات الطبية أن المستويات الأعلى من التلوث الضوئي ترتبط مباشرة بمعدلات أعلى من تصلّب الشرايين.
ووجد الأطباء أن المستويات المنخفضة من الضوء الليلي المتسرب عبر النوافذ ـ بما في ذلك ضوء الشارع أو ضوء القمر ـ قد تكون كافية للتسبب بضرر ملموس على صحة القلب والشرايين. وبحسب الباحثين، فإن تعرض الجفون للضوء أثناء النوم يقلل من إنتاج هرمون الميلاتونين بالجسم خلال الليل، وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم النوم لساعات أطول، كما يساعد على خفض ضغط الدم، وتقليل مستويات الغلوكوز، وخفض حرارة الجسم أثناء النوم، ما يجعل أي تدخل ضوئي مؤثرًا على هذه الوظائف الحيوية.
وقال المشرف على الدراسة كينجي أوبياشي إن الفريق العلمي “وجد ارتباطًا واضحًا بين النوم في الضوء وتصلب الشرايين، وهو ارتباط مستقل عن أسبابه التقليدية كالتدخين والسمنة وارتفاع ضغط الدم والسكري”، في إشارة إلى أن التلوث الضوئي الليلي عامل خطر قائم بذاته.
وفي سياق متصل، تشير بيانات طبية حديثة إلى أن كثيرين اعتادوا النوم أمام شاشات التلفاز والأجهزة الذكية أو في غرف مضاءة، ظنًا منهم أن أجسامهم تكيفت مع هذا النمط، بينما تؤكد الأبحاث أن النوم في غرفة مضاءة يحفّز الجهاز العصبي ويجهد القلب تدريجيًا، مما يزيد احتمالات الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية مع مرور الزمن.
ضوء غرفتك ليلًا: إرهاق خفي لعضلة القلب
وتوضح الدراسات أن الدماغ يفسر الضوء ليلًا كإشارة خطر، معتبرًا أن الجسد لم يدخل بعد في مرحلة الليل الطبيعية. ونتيجة لذلك، يتوقف الجسم عن إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم، ما يؤدي إلى اضطرابات واضحة في الجهاز العصبي.
وأشارت دراسة نشرتها جمعية القلب الأميركية إلى أن النوم في الضوء ينشّط مناطق التوتر في الدماغ، فيرتفع معدل ضربات القلب وضغط الدم، كما تزيد مؤشرات الالتهابات داخل الأوعية الدموية وسائر أعضاء الجسم. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الالتهابات إلى عبء صحي خطير يضعف جدران الشرايين ويزيد احتمالات الإصابة بأمراض القلب وتصلّب الشرايين.
نتائج متابعة طويلة… والإضاءة الخافتة ليست آمنة
وتابع الباحثون حالة 466 شخصًا بمتوسط عمر بلغ 55 عامًا، وخضع جميع المشاركين لفحوص دقيقة لتصوير الدماغ والشرايين بهدف تقييم استجابة الجسم للتلوث الضوئي الليلي. وبعد عشر سنوات من المتابعة، كانت النتائج مقلقة؛ إذ تبين أن واحدًا من كل ستة أشخاص تقريبًا أصيب بمشكلة قلبية خطيرة.
كما بينت البيانات أن الأضواء الخافتة ليست آمنة كما يعتقد البعض؛ إذ تبين أنها كافية لرفع خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 35% خلال خمس سنوات، و22% خلال عشر سنوات. ومعنى ذلك أن الشخص لا يحتاج إلى النوم تحت إنارة ساطعة كي تتعرض صحته للخطر، فحتى الإضاءة التي تبدو بسيطة أو غير ضارة قد تتراكم آثارها بمرور الوقت وتنعكس سلبًا على عضلة القلب.

3 عوامل تجعل الخطر مضاعفًا
تشير التحليلات إلى أن تأثير الإضاءة الليلية يزداد خطورة عند توافر ثلاثة عوامل إضافية:
1. العيش في المدن الكبيرة:
خصوصًا في الأحياء القريبة من الطرق السريعة والمحال التجارية، حيث لا تنطفئ الأنوار ليلًا، وتبقى الضوضاء في مستويات عالية، وهو ما يعرض السكان بشكل مستمر للتلوث الضوئي والضوضائي معًا.
2. العمل في ورديات ليلية:
وهو ما يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية للجسم، وزيادة احتمالات الإصابة باضطرابات النوم والسمنة وارتفاع الكوليسترول، وهي جميعها عوامل ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب.
3. الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم:
فالضوء الأزرق المنبعث من الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والتلفاز يؤخر إفراز الميلاتونين ويربك الساعة البيولوجية، مما يؤدي إلى اضطرابات النوم ويزيد من الإجهاد العصبي والقلبي.
وبحسب التوصيات الطبية، فإن تحسين بيئة النوم خطوة أساسية للحفاظ على صحة القلب. ولا يعني ذلك العيش في ظلام تام أو الامتناع عن استخدام الأجهزة تمامًا، بل يكفي اتخاذ إجراءات بسيطة تضمن نومًا عميقًا وصحيًا، أبرزها:
-
إطفاء جميع الأضواء غير الضرورية قبل النوم.
-
تركيب ستائر عازلة للضوء لحجب الإضاءة الخارجية.
-
إيقاف استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل ساعة من النوم على الأقل.
-
تثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ يوميًا.
-
استخدام مصابيح خافتة جدًا أو حساسة للحركة عند الحاجة.
-
ممارسة أنشطة تساعد على الاسترخاء قبل النوم مثل القراءة أو الاستحمام بماء دافئ.
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن النوم في بيئة مظلمة يعد عاملًا طبيًا أساسيًا في حماية القلب والشرايين، وأن التلوث الضوئي الليلي لم يعد مجرد مصدر إزعاج بصري، بل خطر صحي يتطلب انتباهًا ووعيًا متزايدًا.
المصدر: وكالة الأنباء القطرية (قنا) + الطبي