تشكيل “جبهة أقليات”.. ما الرسائل التي أرادت “قسد” إيصالها بمؤتمر الحسكة وما السيناريوهات المتوقعة؟ 

1309 مشاهدة

تشكيل “جبهة أقليات”.. ما الرسائل التي أرادت “قسد” إيصالها بمؤتمر الحسكة وما السيناريوهات المتوقعة؟ 

نشر مركز الحوار السوري للدراسات تقريراً تحليلاً تطرق إلى المؤتمر الذي نظمته “قسد” في الحسكة قبل أيام بعنوان: “وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا”.
 

ويشير التقرير إلى أن “قسد” حاولت من خلال تنظيم المؤتمر الإيحاء بأنه يضم “فسيفساء” المكونات السورية، حيث عمدت إلى إشراك بعض الرموز الدينية مثل الشيخ الكردي مرشد معشوق الخزنوي أحد شيوخ الطريقة الخزنوية، كما شارك افتراضياً كلٌّ من حكمت الهجري أحد شيوخ العقل في السويداء، ورئيس “المجلس الإسلامي السوري العلوي” غزال غزال، كما ظهر في الصور الواردة من المؤتمر رجل دين مسيحي في الصفوف الأمامية، إضافة لتمثيل واضح للنساء، فيما بدا وكأنه حرص من “قسد” على إظهار تنوع قومي ثقافي ديني، لكن هذه الصورة التي توحي بالتنوع سرعان ما تتبدد عند تتبّع خريطة المشاركين وخلفياتهم، إذ يتضح أن أغلبهم من الشخصيات المناهضة للحكومة السورية الجديدة، وفي مقدمتهم “غزال والهجري”.
 

ورغم الحضور الكردي الكثيف من حيث العدد أو الرسائل الموجهة، إلا أن المؤتمر لم يتمكن فيما يبدو من استقطاب قوى كردية مؤثرة، مثل المجلس الوطني الكردي، المنافس التقليدي لحزب الاتحاد الديمقراطي؛ النواة الأساسية لـ”قسد” و”الإدارة الذاتية”، ما قد يعكس وجود مؤشرات على استمرار الخلافات داخل البيت الكردي.
 

بالانتقال إلى المكوّن العربي، وهو الأكبر سكانياً في شمال شرقي سوريا، فكان تمثيله هامشياً، إذ غاب جميع شيوخ العشائر الرسميين الممثلين لعشائرهم وقبائلهم في الحسكة والرقة ودير الزور، واقتصر الحضور على شخصيات بعضها معروفة بولائها لـ”قسد” ولا يمكن اعتبارها ممثلة حقيقية للعشائر، كما أن بعض الحضور من ممثلي المكون العربي انسحبوا بسبب ما اعتبروه تهميشاً مقصوداً، حيث حُجزت أغلب المقاعد الأمامية للأكراد وبعض الشخصيات المسيحية، كما خلت هيئة إدارة المؤتمر، المكوّنة من ستة أشخاص، من أي تمثيل عربي، إذ ضمّت ثلاثة أكراد، ومسيحياً، وتركمانياً، وإيزيدياً، ومما زاد من الاستياء العام آلية إدارة المؤتمر حيث تم منح كل مكوّن دقائق معدودة في مقابل امتداد كلمة الشيخ الكردي مرشد الخزنوي والتي وصلت إلى نحو 13 دقيقة.
 

الملحظ الأهم في خارطة المشاركين أن المؤتمر لم يدع أي جهات على علاقة جيدة مع الحكومة السورية الجديدة، الأمر الذي يشير لحشد حالة من الاصطفاف ضد الحكومة الجديدة، كما كان واضحاً سعي كل طرف من الحضور إلى تقديم نفسه ممثلاً حصرياً لمكوّنه: “قسد” كصوت للأكراد، وغزال للعلويين، والهجري للدروز، خاصة بعد أحداث السويداء الأخيرة.
 

إضافة لما سبق ذكره وعلى مستوى التنظيم اللوجستي يمكن ملاحظة أن العلم السوري كان حاضراً بشكل خجول وضمن عدة أعلام أخرى؛ منها ما يمثل “قسد” و”الإدارة الذاتية” و”وحدات حماية الشعب”  (YPG)، وذلك بالتزامن مع عودة قائد (YPG) وعضو القيادة العامة في “قسد” سيبان حمو إلى الظهور وشنه هجوماً على الحكومة السورية، واصفاً إياها بأنها “امتداد للهيكل الاستبدادي القديم”.

 

ما وراء البيان الختامي وأبرز الرسائل الداخلية والخارجية من المؤتمر:

عند قراءة البيان الختامي بعيداً عن الشعارات المعتادة التي تُصدّرها “قسد” عن “التنوع” و”المشاركة”، يمكن ملاحظة أنه يُكرّس الخط السياسي الذي تتبنّاه “قسد” منذ سقوط النظام البائد، والمتمثل في الدفع باتجاه نظام لا مركزي لا يقتصر على بُعد اللامركزية الإدارية، بل يمتد إلى اللامركزية السياسية التي تمنح سلطات شبه سيادية للمناطق، على حساب المركز، ويظهر هذا التوجُّه بوضوح في نقطتين أساسيتين:

  • الدعوة لاعتبار “تجربة الإدارة الذاتية” نموذجاً قابلاً للتطوير والتعميم، بما يتجاوز إطارها الحالي.
  • المطالبة بإعادة النظر في التقسيمات الإدارية استناداً إلى “الواقع الديمغرافي”، وهي صيغة توحي بفتح الباب أمام تغييرات في البنية الجغرافية والسياسية للبلاد.

 

من جانب آخر، يتضح أن أبرز رسالة داخلية في المؤتمر تتجلّى بالتأكيد في تمسّك “قسد” بـ”النظام اللامركزي” كمشروع سياسي وتقديم نموذج “الإدارة الذاتية” كـ “نموذج ناجح” تمهيداً لتسويقه كخيار مشابه ربما لتجربة كردستان العراق، مع تلاقي ذلك مع طموحات بعض الزعامات الدينية في الساحل والسويداء.
 

كما يتضح من البيان أن “قسد” لا ترى نفسها طرفاً مُكمّلاً في إطار جيش وطني موحّد، بل تسعى إلى الدخول كـقوة قائمة بذاتها داخل أي هيكل عسكري وطني قادم، مع الحفاظ على بُنيتها وقيادتها الحالية، وهو ما يتعارض مع أي مسعى لإعادة هيكلة قواتها.
 

اللافت أيضاً أن البيان -وفق تقرير المركز- يتعامل مع أحداث الساحل والسويداء من زاوية نظر أحادية، إذ يُشيطن الحكومة السورية الجديدة ويُحمّلها المسؤولية، دون التوقف عند العوامل التي قادت لتلك الأحداث، أو الإشارة إلى هجمات الفلول في الساحل، أو المليشيات في السويداء والدعم “الإسرائيلي” المباشر لها، وهي حقائق كان من شأن ذكرها أن يمنح الموقف توازناً، لكن تغييبها يبدو مقصوداً في سياق استمالة شخصيات مثل حكمت الهجري وغزال غزال، وتثبيت تحالفات تقوم على قاعدة الحشد ضد الحكومة أكثر من كونها حوارات وطنية جامعة.
 

فضلاً عما سبق، يمكن الوقوف على مجموعة من الرسائل السياسية الأخرى من المؤتمر في مقدمتها الرسائل الخاصة بالمفاوضات مع دمشق، حيث أظهر المؤتمر أن “قسد” تلوح ببدائل تملكها وتحالفات داخلية يمكن أن تُستخدم كورقة ضغط إذا تعثرت المفاوضات، فضلاً عن السعي لإعادة صياغة اتفاق 10 آذار وفق شروطها، بحيث يضمن بقاء مؤسساتها العسكرية والمدنية معترفاً بها لا مجرد إدماجها تحت سلطة مركزية، ولعل هذا ما يُفسّر مسارعة مسؤولة السياسية الخارجية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد إلى التأكيد على “التزام قسد باتفاقية 10 آذار مع الدولة السورية، واستكمال مفاوضات باريس ورفض التقسيم”، في خطاب يكشف عن تناقض واضح ويعتمد على سياسة المراوغة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق.

 

أيضاً لا يمكن إغفال الرسائل الخارجية والموجهة ببعدين إقليمي ودولي؛ وهنا تأتي الرسائل بشكل خاص إلى واشنطن وباريس بأن “قسد” ما زالت شريكاً يمكن التعويل عليه في إدارة شمال وشرق سوريا، وأنها تملك القدرة على تشكيل جبهات سياسية مع أطراف سورية أخرى لمواجهة دمشق.
 

لكن الرسالة الأبرز تبدو موجّهة إلى “إسرائيل”، خاصة مع استقطاب المؤتمر لحكمت الهجري الذي تحوّل في الأحداث الأخيرة بالسويداء إلى الذراع الميدانية لـ”إسرائيل” في المنطقة وذريعتها في زيادة التدخلات، بحيث توحي “قسد” إلى “إسرائيل” أنها على وفاق مع الهجري وداعمة لمشروعه في تحصيل الحكم الذاتي، وهذا ما يُغازل من حيث النتيجة فكرة “ممر داوود” ويُشجّع عليها.
 

السيناريوهات المتوقعة:

في ظل التطورات التي تشهدها مناطق شمال شرق سوريا والسويداء ووجود حالة من الاستعصاء مع تعنّت “قسد” في تطبيق بنود اتفاق 10 آذار تبرز تساؤلات عديدة حول اتجاه العلاقة بين الحكومة السورية و”قسد” خاصة بعد مؤتمر الحسكة وما رافقه من ملامح تحالفات جديدة تفتح الباب أمام احتمالات متعددة لمسار هذه العلاقة في المرحلة القادمة.
ومن هذا المنطلق، يمكن تصنيف السيناريوهات المحتملة التي قد تشكل ملامح المشهد في الفترة المقبلة على النحو التالي:
 

1- التصعيد السياسي والميداني بين دمشق و”قسد”: قد تؤدي مخرجات مؤتمر الحسكة إلى تعميق القطيعة بين الحكومة السورية و”قسد” خاصة بعد إلغاء اجتماع باريس، ما قد يدفع “قسد” كذلك إلى تعزيز تحالفاتها مع شخصيات من السويداء والساحل وتكثيف حضورها الإعلامي والدبلوماسي لتصوير نفسها كـ “حامية ومنفتحة” للتعددية، مع السعي لاستجلاب دعم أمريكي أو فرنسي أكبر لتثبيت وضعها، لكن هذا السيناريو يفترض أن القوى الدولية المؤثرة داعمة فعلاً لمشروع “قسد” وليس لديها مشكلة في تعزيز تحالفات “قسد” مع قوى تهاجم الحكومة السورية وتدعو للحكم الذاتي مثل حكمت الهجري وغزال غزال.
 

2- العودة التدريجية إلى طاولة المفاوضات: رغم التصعيد الأخير، قد تدفع اعتبارات ميدانية وسياسية الطرفين إلى استئناف المفاوضات، خاصة إذا أدركت “قسد” أن التحالفات الداخلية التي شكّلتها لا توفر ضمانات كافية على المدى الطويل، أو إذا واجهت ضغوطاً أمريكية وأوروبية جادة للحفاظ على المسار السياسي، ما يجعل الطرفين يعودان إلى طاولة التفاوض والبناء على ما تم تطبيقه من بنود في اتفاق آذار مثل ملف التعليم وتبييض السجون وإخلاء النازحين السوريين من مخيم الهول، ويبدو هذا أقرب السيناريوهات خصوصاً إذا ما اقترن بخطوات ضغط حقيقية من القوى الداعمة لقسد على اعتبار أن هذه القوى مثل الولايات المتحدة وفرنسا تعلن أنها تؤيد الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وترفض أي نزعات انفصالية وتقول إنها داعمة للحكومة السورية في مساعيها لإعادة الاستقرار.
 

3- تدخل تركي مباشر لتغيير موازين القوى: إذا استمرت “قسد” في تعزيز تحالف الأقليات وتحركت في مسار يتقاطع مع مشاريع “إسرائيلية” تستهدف إعادة تشكيل الخريطة السورية، فقد يدفع ذلك تركيا بالتعاون مع دمشق إلى شن عمليات ميدانية منسّقة أو منفردة لتقليص نفوذها، لكن هذا السيناريو مرتبط بمدى الحضور الأمريكي في المنطقة، إذ من المستبعد أن تُقدم تركيا على عملية برية دون تنسيق مع الولايات المتحدة على غرار ما حصل في العام 2019 حينما نفّذ ترامب انسحاباً جزئياً لصالح تركيا في عملية “نبع السلام”، لكن المشهد اليوم يبدو ليس في صالح تركيا، خاصة مع تماهي ترامب مع سياسة نتنياهو في المنطقة وعدم إيقافه عن الحروب التي يشنها خاصة في غزة، لكن ذلك قد لا يلغي التفكير بالعمل البري العسكري ضد “قسد” خصوصاً إذا كان من طرف قوات محلية أو إذا كان الهجوم تكتيكياً ليُجبر “قسد” على العودة لطاولة التفاوض.
 

4- تثبيت الأمر الواقع بدعم دولي: يبدو هذا أخطر السيناريوهات، فقد تنجح “قسد” في استثمار مؤتمر الحسكة لبناء شرعية سياسية أكبر في أوساط بعض القوى الغربية والحصول على دعم أكبر يكرّس نموذج “الإدارة الذاتية” كأمر واقع على غرار “كردستان العراق”، مع تأجيل أي حل سياسي شامل.
 

في هذا السيناريو يستمر الجمود السياسي بين دمشق و”قسد” بينما تُستخدم ورقة “التحالفات الداخلية” كخط دفاع ضد أي محاولة لتقويض سلطتها، وهنا يعود الحديث عن مُشغّلي “قسد”، ويبرز تساؤل أساسي: إلى أي مدى كان هذا المؤتمر ثمرة قرار ذاتي لـ”قسد”؟، وما هو حجم التنسيق أو الدعم الذي تلقته من مشغليها الرئيسيين، وبالأخص التحالف الدولي؟ هل جاء المؤتمر كجزء من استراتيجية مدروسة تديرها قوى خارجية لتعزيز نفوذها في شمال شرق سوريا؟، أم أنه تعبير عن طموحات محلية تسعى للاستفادة من الفرصة الراهنة خاصة بعد أحداث السويداء والساحل؟
 

الإجابة على هذه الأسئلة -وفق تقرير المركز- قد تساعد في فهم المشهد بشكل أدق، خاصة مع وجود جهات مؤثرة على “قسد” لا تقتصر فقط على الولايات المتحدة، بل تشمل أيضاً أجنحة من حزب العمال الكردستاني مرتبطة بقنديل وأخرى بإيران قد تؤثر على قرارات “قسد” وتسعى لإفشال المفاوضات مع الحكومة السورية والتشويش على المرحلة الانتقالية، فضلاً عن التأثير “الإسرائيلي” المرتبط بتعزيز النزعات الانفصالية تحت شعار حماية الأقليات.

 

لقراءة كامل التقرير التحليلي:

https://sydialogue.org/ompv

 

الأكثر مشاهدة